جهاد منصف
02-09-2008, 00:45
اجتمع الصحاب... في جلسة لطيفة، الأنس فيها لذا والحديث شهي، تسامروا وتنادروا.. وقص كل واحد ماجرى له في يومه من وقائع الحال، وكانوا بين جاد في الحديث وبين هازل، كعادة الصحاب إذا انتظمهم مجلس سمر، وكان فيهم عبد اللطيف الموظف الحكومي البسيط، وكان وطنيا ذا حماسة طافحة، وقد بدأ حديثه من حيث انتهى الحديث عن الانتخابات الرئاسية... حيث تم إعادة انتخاب الحزب الحاكم للمرة الخامسة على التوالي... وكان رأي عبد اللطيف" إن العهد الجديد عهد السعادة والعدل والإنصاف، عهد الحرية والمساواة، عهد الارتقاء والعمران"
... وكان صاحبه وزميله في الشركة منصور يشاركه الحماسة بوتيرة عالية متوقدة... بينما كان رضوان أحد الصحاب كعادته يجلس صامتا يستمع ويصغي وقدمه اليمنى لاتهدأ ولا تكل من الاهتزاز المتواصل بوتيرة سريعة، مكتفيا بالتحديق في وجوه رفقائه بعنين فارغتين تتراقصان دون تعبير معين... كل هذا ورمزي لائذ بالصمت يخزر طرفه، يهز رأسه في تململ وقد أشعل لفافته غير مبال بالحديث الدائر حوله على غير عادته، فالتفت إليه عبد اللطيف متسائلا: مالك يارمزي لم تقل شيئا؟!
فأجاب رمزي: إني أكره الحديث فيما لايعنيني!!... توجهت أنظار الصحاب إليه في لحظة واحدة...
قال عبد اللطيف وقد علت الدهشة محياه: كيف لايعنيك وأنت فرد من أفراد هذه الأمة بل جزء منها وابن من أبنائها، ونهوضها نهوضك وسقوطها سقوطك، والأمة كماتعرف لاتنهض إلا بنهوض أبنائها ولاتسقط إلا بسقوطهم...
... رتب منصور على كتفه وهو يقول بنبرة يقينية لايعتريها الشك أبدا: لقد أصبت وأحسنت...
فأجاب رمزي: لست أدري عن أي نهضة تتحدثون، ولست أفهم للنهضة من حديثكم معنى، فإن كنت تقول "أني فرد من أفراد هذه الأمة وجزء منها" فلم تجاوزتني النهضة كما تجاوزت كثيرا من أشباهي رفقاء العوز والفاقة، وإن كنت تقول" أني ابن من أبنائها " فلم الأمة مترعة بالسعادة كم زعمت وأحد أبنائها ليس له نصيب من تلك السعادة، فلا تحدثني ياصديقي عن معميات لايتناولها حسي ولايدركها عقلي!!
هز رأسه رضوانا بالإيجاب وقد تجهم وجهه... بينما ظل منصور يتطلع بعنين متحفزتين صوب عبد اللطيف الذي استطرد بحماسة تتوقد في أجزائه من حيث صمت رمزي: حسبك يارمزي أن ترى تقدم أمتنا في عهدها الجديد بثرواتها وعمرانها وبذخها وترفها، ووفرة الأيدي العاملة فيها من أبنائها، فلا تجدن محتاجا إلا شملته رحمتها ولا جائعا إلا أشبعته حد التخمة ولا عاريا إلا كسته بالحرير ولامعدما إلا مدت له يدا العون والنجدة، ولا عاطلا متبطلا إلا وظفته، حسبك أن ترى ذاك الصنيع الجميل فتسعد بسعادتها وتهنأ بهنائها، ياصديقي هذا عهد العدالة والمساواة عهد الارتقاء والتمدين... بينما كان رضوان يهز رأسه في بلاهة... ألا يسعدك ماجاء به العهد الجديد من عطايا جزلة تناطح هام السحاب وتزاحم الجوزاء في كبد السماء، ولنكن واقعيين... من زعم أنه لايشعر بنهضة هذا العهد الجديد فهو متخاذل أعمى البصيرة توسد فراشه في كسل ينتظر معجزة من السماء تحقق له أحلامه المستحيلات، مثل ذلك المتوهم الأبله العائش في السراب يصح له أن لايشعر بنعيم وعطايا العهد الجديد ولست أعرفك يارمزي كذلك!!
"قلت الحق ورب الكعبة " هكذا لفظها منصور بنبرته اليقينية المعتادة..
فقال رمزي:لكنك للآن لم تبين لي نصيبي من هذه السعادة، نصيبي من هذه النهضة، نصيبي من هذه العطايا، فلا أنا بالمتخاذل ولا متقاعس وأنت أعلم الناس بي، فأنا أكدح في تحصيل رزقي منذ ساعة الصباح الأولى حتى هرولت الشفق الأحمر إلى حاشيته من أجل حفنة من النقود لاتكفيني حتى منتصف الشهر، فكيف لي أن أشعر بسعادة من سعد بنهضة العهد الجديد وأنا أبات طاوي البطن.. ولا يمتلئ بطني بما تمتلئ به بطونهم، ولا أحد يشاركني ردائي الممزق ولا أحد منهم يشاركني عوزي وفاقتي من دعاة العهد الجديد، فتعسا لي إن سعدت بسعادتهم وتعسا لي وترحا إن زعمت أني أفهم هذه النهضة التي جاء بها عهدك الجديد، ياصديقي لم أنل من هذا العهد سوى الفتات التي لاتكفي لسد رمق أطفالي الثلاثة، فما شأني وشأن هذا العهد الذي منحت فيه القصور للصعاليك والمرتزقة وبت أنا وآلاف من الكادحين من فلاحين وسماكين في أكواخ متداعية الأركان لاتأمنا من لهيب أشعة الشمس اللاسعة في جحيم الصيف ولامن رذاذ المطر الذي يشاركنا ردائنا وطعامنا في ليالي الشتاء، فلا تقل لي أن هذا العهد الجديد يعنيني أو يشملني بجناحتيه أنا وآلاف الفقراء والمحتاجين.
قال عبد اللطيف: لقد أسرفت وهولت في توصيف الحال، فالعهد الجديد الذي برمت به وتنكرت لعطاياه، له أياد بيضاء كريمة حانية رؤوم شملت جميع من تحدثت عنهم، فانظر كيف كانوا وكيف أصبحوا، ألا ترى هذا العدد الهائل من الجمعيات الخيرية المنتشرة في كل مدينة وقرية، التي ضخت فيها أمولا طائلة لإعانة البسطاء من ذوي الأجور المحدودة، ألا ترى المدارس والمستشفيات الحكومية التي أنشئت مؤخرا في كل مدينة وقرية، وحسب أي فقير يضمن تعليم أبنائه مجانا، وحسبه يعالج مرضاه مجانا، ألا تستحق كل تلك العطايا الشكر والثناء لهذا العهد الجديد...
وشاركه منصور في حديثه: من كان فينا يطمح حتى في أحلامه الجامحات أن يأتي زمان يتعلم فيه أبناؤنا مجانا... ثم تلا في ضراعة الآية الكريمة ﴿ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ... ﴾ ثم تهافت يقلب يده لثما وتقبيلا، وشخص بطرفه نحو السماء يغمغم: اللهم أدمها علينا من نعمة واحفظها من الزوال بحق حبيبك المصطفى ثم رمق رضوان بنظرة لايخطئها الفهم الذي بدوره قال بصوت خفيض مضطرب:الحمد الله الشكر لله.
فأجاب رمزي وقد قطب جبينه: إن كان ماتقوله صحيحا عن" ضخ الأموال الطائلة في الجمعيات الخيرية" فلم الفقراء لاينالوا منها سوى النزر اليسيرالذي لايكفي لسد رمق أبنائهم، وخبرني بالله عليك ماحاجة الفقراء للعلم قدر حاجتهم للخبز، خبرني... أي جائع يستسيغ غذاء الذهن وبطنه يصرخ بالعويل، وهذه المشافي الحكومية المجانية التي فاخرت بها، لايأمن المرء أن يعالج فيها ابنه المحموم حرصا على أعضائه من البتر تحت مظلة الأخطاء الطبية البشرية الغير متعمدة، ياصديقي لايغرنك زيف العهد الجديد الذي عجز عن استئصال الوباء الذي استشرى في جسد الأمة!
بصوت متهافت خفيض قال رضوان: نعم وباء!!
"عن أي وباء تتحدث " سأل منصور
... أجاب رمزي: وباء الفاقة يارفاق
فقال عبد اللطيف بعد ضحكة عالية شاركه فيها منصور: كفاك تشاؤما... عن أي وباء تتحدث... إن صح أن أسميه وباءا لقلت... إن الوباء الذي سوف يستشري قريبا في جسد الأمة هو وباء التخمة!! حقا إن رضا الناس غاية لاتدرك... لايشطحن بك ارمزي الحلم نحو عدالة مطلقة لا تتحقق إلا في نعيم الخلد في عالم خارج أسوار هذا الزمن.. رغم أني أقر معك بوجود نثار من مخلفات العهد القديم، لكني متيقن أنها سوف تجتز في هذا العهد الجديد في سعي الحكومة الدؤوب لإصلاح ماأفسده العهد القديم، تصبر قليلا وسترى مايطمئن له قلبك وتأنس به نفسك في ظل هذا العهد، ولاتستسلم لهذه الأفكار السوداوية المستبقة للأحداث، لاتجعل لها سلطانا يثلم عزيمتك ويحطم آمالك، لقد مضى عهد الاستبداد، مضى بلاعودة، تصبر قليلا وسترى مايرضيك إن شاء الله.
تذكرني ياعبد اللطيف بقول حاذق من أحد كتاب الصحف المعارضة حيث وصف هذا العهد الجديد قائلا:"الدولة تصرد عطاءها تصريدا لتستديم حاجة الناس إليها.. كما يجوع الصياد كلبه ليتبعه"
قاطعه عبد اللطيف محتدما: ضع في الحسبان إنه من كتاب المعارضة وتعلم جيدا كم هم مضللون من جهات معادية، إنهم ناقمون حاقدون... ولو استلم أحدهم زمام الأمور وعلا كرسي السلطة لأحرق الحرث والزرع وعاد بنا إلى خنادق الظلمات حيت العصور الوسطى الوحشية الجاهلية ستكون مقارنة بنا في قمة الحضارة والتمدين، لايغرنك هذا المختال المتشدق بشعارته البراقة التي يخدع بزيفها الغر الذي لم يعرف حقيقة هؤلاء المرتزقة، ألم يك صاحبك هذا يهتف صباح مساء بالدعوة لحكومة إسلامية، وعندما تقلد رفقاؤه من الإسلاميين أعلى المناصب في الدولة ولم يحظ بينهم بمنصب انقلب على عقبيه واتهم رفاق الأمس في نزاهتهم واسقط الشرعية عن الحكومة التي كان أحد أبنائها ودعاتها، لاتدنس لسانك بذكر هذا المنافق.. لايغرنك هذيانه بآيات الكتاب التي يؤلها في خدمة شؤونه وغاياته، وكم تاجر هذا المرتزق بالعقول كمثل النخاس المتاجر بالعبيد والإماء.
قال رمزي:أتفق معك إنه مرتزق مثله مثل رفقائه الذين تقلدوا أعلى المناصب في العهد الجديد، ولكن قوله الذي اقتبسته آنفا هو حق نطق على لسان شيطان لاخلاف في ذلك، والفارق الجوهري بينه وبين من أعتلى المناصب من رفقاء الأمس، أنهم أجادوا التزلف وعرفوا السبيل لنيل رضا الحكومة فجميعهم أبناء مستنقع واحد!!
حدجه منصور محتدما وتطلع نحو عبد اللطيف الذي كان مصغيا بكافة جوارحه لحديث رمزي وأردف قائلا: استغفر ربك يارمزي كن منصفا، ألم تكن أنت من مناصري الحزب الإسلامي فيما مضى...؟! وكنت ممن...
قاطعه رمزي قائلا: يامنصور... وتفكر قليلا وقال: يبدو لي أن ذاكرتك في حاجة لإنعاش،فيما مضى كنت مؤيدا لقيام حكومة ذات طابع إسلامي ولم أكن أويد ذاك الحزب وعبد اللطيف يعرف ذالك جيدا، فالإسلام في نظري ماجاء إلا ليقضي على مثل هذه الهمجية والوحشية التي تمارس باسم الدين، ماجاء الإسلام إلا ليستل من القلوب أضغانها وأحقادها، ثم يملأها حكمة ورحمة، لكي يعيش الناس في سعادة وهناء، أما هذا العهد جاءنا بسلاسل وأغلال، وسماها تارة دينا وأخرى قانونا، لكي يظلم باسم العدل، ويسلب الحرية من النفوس باسم الدين، ولولا أن الدين زاجرا من الزواجر النفسية لدى الناس لما استعانت به الحكومات لزجر وكسر شوكة المطالبين بالشرعية من الجهلاء من مغيبي العقول، ودعني أذكركم بقول أحد المعارضين الشرفاء وليس المرتزقة يصف فيه حال الإنسان في العهد الجديد" تجده قلقا حذرا، مروع القلب، مرتعد الفرائص، يقيم من نفسه حراسا تراقب حركات يديه وخطوات رجليه وحركات لسانه وخطرات همه وخياله لينجو من عقاب المستبد بسلاسل القانون ومن تعذيب الجلاد باسم الدين" فلست أجد ياأصدقائي... سجنا أضيق من سجن العهد الجديد ولست أجد فيه منفذا يمكن أن يتسرب من خلاله شعاعا من أشعة الحرية ولانسمة من نسماتها، وكم هو ضرب من ضروب الباطل ونزعة من نزعات الشيطان الإدعاء بأن العهد الجديد هو عهد الرخاء والهناء، عهد النهضة والحرية والعمران، ومارأينا من آثاره سوى تزييف للحقائق بصور شوهاء يخدع بها الغر، وكنت أود أن لا أخوض غمار هذا الحديث الذي يضيق به صدري لولا إلحاحك ياعبد اللطيف، وإن كان ولابد فامنحوني الصبر والإصغاء... أمنحكم مافي نفسي من لواعج وزفرات فجعني بها العهد الجديد، وإن كنتم في شك مما أقول انظروا معي في آثاره وإحدى نتاجئه... لقد تفشت كماتعلمون ظاهرة الجريمة من سلب الحقوق وانتهاك سافر للأعراض على نواصي الطرقات وتعاطي الرشوة بصورة جلية على مرأى دعاة هذا العهد في المؤسسات القضائية والحكومية لتذييل العوائق التي تحول بين إتمام المعاملات لمن يمتنع عن دفع الجزية أو الرشوة سمها ماشئت، بالله عليكم من مهد السبيل للفساد.. أليس هم دعاة هذا العهد... أليس هم من خطفوا اللقمة من أفواه الجوعى، أليس هم من غرسوا بذرة الانتقام في النفوس المحرومة... أليس هم من تعهدوا تلك البذرة بالسقيا حتى أينعت ونمت وأثمرت هذه الوحوش الهائمة على وجوهها، الضالة عن جادة الصواب، ثم تنصل الجناة من جنايتهم وتم شنق المجني عليه، خبرني ياصديقي من أجل اللصوص إجلاله للفاضلين.. ومن أحنى الرؤوس تزلفا ورياءا في هيبة كهيبته للعظماء الفاتحين... ومن تهافت على أيديهم وأقدامهم لثما وتقبيلا حتى صاروا من وجهاء القوم وأعيانه... أليس هؤلاء جميعهم دعاة هذا العهد وأساتذته؟!
إذا عرفت هؤلاء... عرفت من هم شركاء المجرم في جريمته وأحرى بالمشانق أن تطوق أعناقهم قبل أن تستل روح التلميذ المطيع من حلقومه، أأعرفتم سر نقمتي لهذا العهد الجديد وكيف لا أنقم ومنه أتبرئ وهذه نتائجه وآثاره، لكني سوف أهنأ حقا بهذا العهد إذا كفل لي حياة كريمة ونعيما أحلق في فضاءاته بحرية، لايسيطر على عقلي ووجداني سوى صوت الضمير صوت الحق والعدالة المطلقة، لاحرية الدمى التي يحركها الحاوى بخيوطه كيفماء شاء واتفق!!
ناوله عبد اللطيف كأسا من الماء البارد الزلال وقال له بحنو:هون عليك يارمزي.. ثم هتف هازلا ملوحا بيده "لاقوة إلاقوة الضمير، ولامجدا إلامجد الذكاء"
تطلع رمزي نحوه مبتسما راضيا.. وأطرق قليلا كأنما يستعرض في ذاكرته أحداثا كثيرة وذكريات قديمة... بينما كان منصور يتطلع بعنين متحفزتين نحو عبد اللطيف الذي تسرب إلى عينيه الوسن، ورضوان يغط في سبات عميق...
أشعة شمس الصباح تسربت من خلال القضبان الحديدية للنافذة العلوية معلنة نهاية السهرة...
... وكان صاحبه وزميله في الشركة منصور يشاركه الحماسة بوتيرة عالية متوقدة... بينما كان رضوان أحد الصحاب كعادته يجلس صامتا يستمع ويصغي وقدمه اليمنى لاتهدأ ولا تكل من الاهتزاز المتواصل بوتيرة سريعة، مكتفيا بالتحديق في وجوه رفقائه بعنين فارغتين تتراقصان دون تعبير معين... كل هذا ورمزي لائذ بالصمت يخزر طرفه، يهز رأسه في تململ وقد أشعل لفافته غير مبال بالحديث الدائر حوله على غير عادته، فالتفت إليه عبد اللطيف متسائلا: مالك يارمزي لم تقل شيئا؟!
فأجاب رمزي: إني أكره الحديث فيما لايعنيني!!... توجهت أنظار الصحاب إليه في لحظة واحدة...
قال عبد اللطيف وقد علت الدهشة محياه: كيف لايعنيك وأنت فرد من أفراد هذه الأمة بل جزء منها وابن من أبنائها، ونهوضها نهوضك وسقوطها سقوطك، والأمة كماتعرف لاتنهض إلا بنهوض أبنائها ولاتسقط إلا بسقوطهم...
... رتب منصور على كتفه وهو يقول بنبرة يقينية لايعتريها الشك أبدا: لقد أصبت وأحسنت...
فأجاب رمزي: لست أدري عن أي نهضة تتحدثون، ولست أفهم للنهضة من حديثكم معنى، فإن كنت تقول "أني فرد من أفراد هذه الأمة وجزء منها" فلم تجاوزتني النهضة كما تجاوزت كثيرا من أشباهي رفقاء العوز والفاقة، وإن كنت تقول" أني ابن من أبنائها " فلم الأمة مترعة بالسعادة كم زعمت وأحد أبنائها ليس له نصيب من تلك السعادة، فلا تحدثني ياصديقي عن معميات لايتناولها حسي ولايدركها عقلي!!
هز رأسه رضوانا بالإيجاب وقد تجهم وجهه... بينما ظل منصور يتطلع بعنين متحفزتين صوب عبد اللطيف الذي استطرد بحماسة تتوقد في أجزائه من حيث صمت رمزي: حسبك يارمزي أن ترى تقدم أمتنا في عهدها الجديد بثرواتها وعمرانها وبذخها وترفها، ووفرة الأيدي العاملة فيها من أبنائها، فلا تجدن محتاجا إلا شملته رحمتها ولا جائعا إلا أشبعته حد التخمة ولا عاريا إلا كسته بالحرير ولامعدما إلا مدت له يدا العون والنجدة، ولا عاطلا متبطلا إلا وظفته، حسبك أن ترى ذاك الصنيع الجميل فتسعد بسعادتها وتهنأ بهنائها، ياصديقي هذا عهد العدالة والمساواة عهد الارتقاء والتمدين... بينما كان رضوان يهز رأسه في بلاهة... ألا يسعدك ماجاء به العهد الجديد من عطايا جزلة تناطح هام السحاب وتزاحم الجوزاء في كبد السماء، ولنكن واقعيين... من زعم أنه لايشعر بنهضة هذا العهد الجديد فهو متخاذل أعمى البصيرة توسد فراشه في كسل ينتظر معجزة من السماء تحقق له أحلامه المستحيلات، مثل ذلك المتوهم الأبله العائش في السراب يصح له أن لايشعر بنعيم وعطايا العهد الجديد ولست أعرفك يارمزي كذلك!!
"قلت الحق ورب الكعبة " هكذا لفظها منصور بنبرته اليقينية المعتادة..
فقال رمزي:لكنك للآن لم تبين لي نصيبي من هذه السعادة، نصيبي من هذه النهضة، نصيبي من هذه العطايا، فلا أنا بالمتخاذل ولا متقاعس وأنت أعلم الناس بي، فأنا أكدح في تحصيل رزقي منذ ساعة الصباح الأولى حتى هرولت الشفق الأحمر إلى حاشيته من أجل حفنة من النقود لاتكفيني حتى منتصف الشهر، فكيف لي أن أشعر بسعادة من سعد بنهضة العهد الجديد وأنا أبات طاوي البطن.. ولا يمتلئ بطني بما تمتلئ به بطونهم، ولا أحد يشاركني ردائي الممزق ولا أحد منهم يشاركني عوزي وفاقتي من دعاة العهد الجديد، فتعسا لي إن سعدت بسعادتهم وتعسا لي وترحا إن زعمت أني أفهم هذه النهضة التي جاء بها عهدك الجديد، ياصديقي لم أنل من هذا العهد سوى الفتات التي لاتكفي لسد رمق أطفالي الثلاثة، فما شأني وشأن هذا العهد الذي منحت فيه القصور للصعاليك والمرتزقة وبت أنا وآلاف من الكادحين من فلاحين وسماكين في أكواخ متداعية الأركان لاتأمنا من لهيب أشعة الشمس اللاسعة في جحيم الصيف ولامن رذاذ المطر الذي يشاركنا ردائنا وطعامنا في ليالي الشتاء، فلا تقل لي أن هذا العهد الجديد يعنيني أو يشملني بجناحتيه أنا وآلاف الفقراء والمحتاجين.
قال عبد اللطيف: لقد أسرفت وهولت في توصيف الحال، فالعهد الجديد الذي برمت به وتنكرت لعطاياه، له أياد بيضاء كريمة حانية رؤوم شملت جميع من تحدثت عنهم، فانظر كيف كانوا وكيف أصبحوا، ألا ترى هذا العدد الهائل من الجمعيات الخيرية المنتشرة في كل مدينة وقرية، التي ضخت فيها أمولا طائلة لإعانة البسطاء من ذوي الأجور المحدودة، ألا ترى المدارس والمستشفيات الحكومية التي أنشئت مؤخرا في كل مدينة وقرية، وحسب أي فقير يضمن تعليم أبنائه مجانا، وحسبه يعالج مرضاه مجانا، ألا تستحق كل تلك العطايا الشكر والثناء لهذا العهد الجديد...
وشاركه منصور في حديثه: من كان فينا يطمح حتى في أحلامه الجامحات أن يأتي زمان يتعلم فيه أبناؤنا مجانا... ثم تلا في ضراعة الآية الكريمة ﴿ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ... ﴾ ثم تهافت يقلب يده لثما وتقبيلا، وشخص بطرفه نحو السماء يغمغم: اللهم أدمها علينا من نعمة واحفظها من الزوال بحق حبيبك المصطفى ثم رمق رضوان بنظرة لايخطئها الفهم الذي بدوره قال بصوت خفيض مضطرب:الحمد الله الشكر لله.
فأجاب رمزي وقد قطب جبينه: إن كان ماتقوله صحيحا عن" ضخ الأموال الطائلة في الجمعيات الخيرية" فلم الفقراء لاينالوا منها سوى النزر اليسيرالذي لايكفي لسد رمق أبنائهم، وخبرني بالله عليك ماحاجة الفقراء للعلم قدر حاجتهم للخبز، خبرني... أي جائع يستسيغ غذاء الذهن وبطنه يصرخ بالعويل، وهذه المشافي الحكومية المجانية التي فاخرت بها، لايأمن المرء أن يعالج فيها ابنه المحموم حرصا على أعضائه من البتر تحت مظلة الأخطاء الطبية البشرية الغير متعمدة، ياصديقي لايغرنك زيف العهد الجديد الذي عجز عن استئصال الوباء الذي استشرى في جسد الأمة!
بصوت متهافت خفيض قال رضوان: نعم وباء!!
"عن أي وباء تتحدث " سأل منصور
... أجاب رمزي: وباء الفاقة يارفاق
فقال عبد اللطيف بعد ضحكة عالية شاركه فيها منصور: كفاك تشاؤما... عن أي وباء تتحدث... إن صح أن أسميه وباءا لقلت... إن الوباء الذي سوف يستشري قريبا في جسد الأمة هو وباء التخمة!! حقا إن رضا الناس غاية لاتدرك... لايشطحن بك ارمزي الحلم نحو عدالة مطلقة لا تتحقق إلا في نعيم الخلد في عالم خارج أسوار هذا الزمن.. رغم أني أقر معك بوجود نثار من مخلفات العهد القديم، لكني متيقن أنها سوف تجتز في هذا العهد الجديد في سعي الحكومة الدؤوب لإصلاح ماأفسده العهد القديم، تصبر قليلا وسترى مايطمئن له قلبك وتأنس به نفسك في ظل هذا العهد، ولاتستسلم لهذه الأفكار السوداوية المستبقة للأحداث، لاتجعل لها سلطانا يثلم عزيمتك ويحطم آمالك، لقد مضى عهد الاستبداد، مضى بلاعودة، تصبر قليلا وسترى مايرضيك إن شاء الله.
تذكرني ياعبد اللطيف بقول حاذق من أحد كتاب الصحف المعارضة حيث وصف هذا العهد الجديد قائلا:"الدولة تصرد عطاءها تصريدا لتستديم حاجة الناس إليها.. كما يجوع الصياد كلبه ليتبعه"
قاطعه عبد اللطيف محتدما: ضع في الحسبان إنه من كتاب المعارضة وتعلم جيدا كم هم مضللون من جهات معادية، إنهم ناقمون حاقدون... ولو استلم أحدهم زمام الأمور وعلا كرسي السلطة لأحرق الحرث والزرع وعاد بنا إلى خنادق الظلمات حيت العصور الوسطى الوحشية الجاهلية ستكون مقارنة بنا في قمة الحضارة والتمدين، لايغرنك هذا المختال المتشدق بشعارته البراقة التي يخدع بزيفها الغر الذي لم يعرف حقيقة هؤلاء المرتزقة، ألم يك صاحبك هذا يهتف صباح مساء بالدعوة لحكومة إسلامية، وعندما تقلد رفقاؤه من الإسلاميين أعلى المناصب في الدولة ولم يحظ بينهم بمنصب انقلب على عقبيه واتهم رفاق الأمس في نزاهتهم واسقط الشرعية عن الحكومة التي كان أحد أبنائها ودعاتها، لاتدنس لسانك بذكر هذا المنافق.. لايغرنك هذيانه بآيات الكتاب التي يؤلها في خدمة شؤونه وغاياته، وكم تاجر هذا المرتزق بالعقول كمثل النخاس المتاجر بالعبيد والإماء.
قال رمزي:أتفق معك إنه مرتزق مثله مثل رفقائه الذين تقلدوا أعلى المناصب في العهد الجديد، ولكن قوله الذي اقتبسته آنفا هو حق نطق على لسان شيطان لاخلاف في ذلك، والفارق الجوهري بينه وبين من أعتلى المناصب من رفقاء الأمس، أنهم أجادوا التزلف وعرفوا السبيل لنيل رضا الحكومة فجميعهم أبناء مستنقع واحد!!
حدجه منصور محتدما وتطلع نحو عبد اللطيف الذي كان مصغيا بكافة جوارحه لحديث رمزي وأردف قائلا: استغفر ربك يارمزي كن منصفا، ألم تكن أنت من مناصري الحزب الإسلامي فيما مضى...؟! وكنت ممن...
قاطعه رمزي قائلا: يامنصور... وتفكر قليلا وقال: يبدو لي أن ذاكرتك في حاجة لإنعاش،فيما مضى كنت مؤيدا لقيام حكومة ذات طابع إسلامي ولم أكن أويد ذاك الحزب وعبد اللطيف يعرف ذالك جيدا، فالإسلام في نظري ماجاء إلا ليقضي على مثل هذه الهمجية والوحشية التي تمارس باسم الدين، ماجاء الإسلام إلا ليستل من القلوب أضغانها وأحقادها، ثم يملأها حكمة ورحمة، لكي يعيش الناس في سعادة وهناء، أما هذا العهد جاءنا بسلاسل وأغلال، وسماها تارة دينا وأخرى قانونا، لكي يظلم باسم العدل، ويسلب الحرية من النفوس باسم الدين، ولولا أن الدين زاجرا من الزواجر النفسية لدى الناس لما استعانت به الحكومات لزجر وكسر شوكة المطالبين بالشرعية من الجهلاء من مغيبي العقول، ودعني أذكركم بقول أحد المعارضين الشرفاء وليس المرتزقة يصف فيه حال الإنسان في العهد الجديد" تجده قلقا حذرا، مروع القلب، مرتعد الفرائص، يقيم من نفسه حراسا تراقب حركات يديه وخطوات رجليه وحركات لسانه وخطرات همه وخياله لينجو من عقاب المستبد بسلاسل القانون ومن تعذيب الجلاد باسم الدين" فلست أجد ياأصدقائي... سجنا أضيق من سجن العهد الجديد ولست أجد فيه منفذا يمكن أن يتسرب من خلاله شعاعا من أشعة الحرية ولانسمة من نسماتها، وكم هو ضرب من ضروب الباطل ونزعة من نزعات الشيطان الإدعاء بأن العهد الجديد هو عهد الرخاء والهناء، عهد النهضة والحرية والعمران، ومارأينا من آثاره سوى تزييف للحقائق بصور شوهاء يخدع بها الغر، وكنت أود أن لا أخوض غمار هذا الحديث الذي يضيق به صدري لولا إلحاحك ياعبد اللطيف، وإن كان ولابد فامنحوني الصبر والإصغاء... أمنحكم مافي نفسي من لواعج وزفرات فجعني بها العهد الجديد، وإن كنتم في شك مما أقول انظروا معي في آثاره وإحدى نتاجئه... لقد تفشت كماتعلمون ظاهرة الجريمة من سلب الحقوق وانتهاك سافر للأعراض على نواصي الطرقات وتعاطي الرشوة بصورة جلية على مرأى دعاة هذا العهد في المؤسسات القضائية والحكومية لتذييل العوائق التي تحول بين إتمام المعاملات لمن يمتنع عن دفع الجزية أو الرشوة سمها ماشئت، بالله عليكم من مهد السبيل للفساد.. أليس هم دعاة هذا العهد... أليس هم من خطفوا اللقمة من أفواه الجوعى، أليس هم من غرسوا بذرة الانتقام في النفوس المحرومة... أليس هم من تعهدوا تلك البذرة بالسقيا حتى أينعت ونمت وأثمرت هذه الوحوش الهائمة على وجوهها، الضالة عن جادة الصواب، ثم تنصل الجناة من جنايتهم وتم شنق المجني عليه، خبرني ياصديقي من أجل اللصوص إجلاله للفاضلين.. ومن أحنى الرؤوس تزلفا ورياءا في هيبة كهيبته للعظماء الفاتحين... ومن تهافت على أيديهم وأقدامهم لثما وتقبيلا حتى صاروا من وجهاء القوم وأعيانه... أليس هؤلاء جميعهم دعاة هذا العهد وأساتذته؟!
إذا عرفت هؤلاء... عرفت من هم شركاء المجرم في جريمته وأحرى بالمشانق أن تطوق أعناقهم قبل أن تستل روح التلميذ المطيع من حلقومه، أأعرفتم سر نقمتي لهذا العهد الجديد وكيف لا أنقم ومنه أتبرئ وهذه نتائجه وآثاره، لكني سوف أهنأ حقا بهذا العهد إذا كفل لي حياة كريمة ونعيما أحلق في فضاءاته بحرية، لايسيطر على عقلي ووجداني سوى صوت الضمير صوت الحق والعدالة المطلقة، لاحرية الدمى التي يحركها الحاوى بخيوطه كيفماء شاء واتفق!!
ناوله عبد اللطيف كأسا من الماء البارد الزلال وقال له بحنو:هون عليك يارمزي.. ثم هتف هازلا ملوحا بيده "لاقوة إلاقوة الضمير، ولامجدا إلامجد الذكاء"
تطلع رمزي نحوه مبتسما راضيا.. وأطرق قليلا كأنما يستعرض في ذاكرته أحداثا كثيرة وذكريات قديمة... بينما كان منصور يتطلع بعنين متحفزتين نحو عبد اللطيف الذي تسرب إلى عينيه الوسن، ورضوان يغط في سبات عميق...
أشعة شمس الصباح تسربت من خلال القضبان الحديدية للنافذة العلوية معلنة نهاية السهرة...