PDA

View Full Version : أثر الصوم على التقوى


محب أهل البيت
06-11-2003, 09:53
بسم الله الرحمن الرحيم

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (183) البقرة .

الآية المباركة تتحدث عن وجوب الصيام وأنه فريضة من فرائض الإسلام وهذه الفريضة لم تكن جديدة في العالم الإسلامي بل هي من الفرائض القديمة التي اشتركت فيها معظم الشرائع السماوية السابقة إن لم يكن كلها فقد وجب الصيام على الأمم السابقة كما كتب على هذه الأمة وهذا الوجوب من الأمور المسلم بها الذي لا شك ولا ريب فيه

من أهداف الصيام التقوى

إن الصوم منهج تربوي للأمة فمن أهم الأهداف الرئيسية لتشريع الصيام ووجوبه هو حصول التقوى لدى الصائمين كنتيجة لتطبيق الصيام ولأهمية التقوى بل ضرورتها فلا بد أن يكون أسبابها أيضاً واجبة. وحصول التقوى من الصيام دليل على قبول الصيام وأنه وقع في موقعه وأدى هدفه ودوره الذي رسمه الله له .


حقيقة التقوى

التقوى من الوقاية وهي الحفظ والصيانة . وهي الجهاز الداخلي الذي يصون الإنسان عن الانحرافات ويكبح طغيان الشهوات. قال تعالى:{ ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ {32} / الحج . حقيقة التقوى وهي التحرز والتجنب عن سخطه تعالى والتورع عن محارمه أمر معنوي يرجع إلى القلوب وهي النفوس وليست هي جسد الأعمال بل الأعمال من مظاهرها وآثارها فعن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال : ( لا يغرنّك بكاؤهم ، إنما التقوى في القلب )[1]

وعن الإمام علي عليه السلام : ( اتقوا الله تقية [تقاة] من سمع فخشع و اقترف فاعترف [و اعترف] و علم فوجل و حاذر فبادر و عمل فأحسن )[2]

وعن أمير المؤمنين علي عليه السلام : ( اتقوا الله تقية [تقاة] من دعي فأجاب و تاب فأناب [و أناب] و حذر فحذر و عبر فاعتبر و خاف فأمن )[3]

أقسام التقوى

مع أن التقوى محلها الأساسي هو القلب إلا أن آثارها تخرج على تصرفات الإنسان وأعماله وبهذا تنقسم إلى عدة أقسام :

1-التقوى في الأحكام :

وهو التقيد والإلتزام بأحكام الله سبحانه من الوجوب والحرمة والاستحباب والكراهة والإباحة ، وهذا ما فسر به الإمام الصادق عليه السلام عندما سئل عن التقوى قال : ( أن لا يفقدك الله حيث أمرك ، ولا يراك حيث نهاك )[4]

2-التقوى في الشهوات :

ملك زمام الأمور في الشهوات من التقوى سواء كان تركها على نحو الإلزام أو على نحو ما ينبغي والتربية والزهد .

فعن الإمام علي عليه السلام : ( من ملك شهوته كان تقيا )[5]

وعن الإمام علي عليه السلام : ( من ملك شهوته كملت مروته و حسنت عاقبته )[6]

وعن الأمام علي عليه السلام : ( عند حضور الشهوات و اللذات يتبين ورع الأتقياء )[7]

3-التقوى في العلم :

يجب أن يكون الإنسان متقيا في علمه كما هو متقي في عمله فعن رسول الله صلى الله عليه وآله : ( تمام التقوى أن تتعلم ما جهلت وتعمل بما علمت )[8]

فلا يترك التعلم فإن الجهل ينافي التقوى ومن صفات المتقين أنهم علماء حلماء .

4- التقوى في السياسة :

إن من هو على رأس الهرم في تدبير شؤون الأمة ملكاً كان أو رئيساً أو وزيراً أو أميراً أو مديراً أو من له شأن ومدخلية في سياسة الدولة يجب عليه أن يكون متقياً لله ويخافه ويراقبه في كل حركاته وسكناته وقد دخلت التقوى في أعماق قلبه وأصبحت ملكة عنده يتصرف على منوالها لا يحيد عنها قيد أنملة لأن خطأه وانحرافه يسبب انحراف الأمة بكاملها فإن التقوى إذا كانت لازمة على من يتصف في شؤونه الفردية والشخصية فكيف حينئذ بمن يتصف في شؤون الأمة ؟ وقد أكدت الآيات والروايات الكثيرة على لزوم العدالة في الوالي والإمام على الأمة مثل آية { لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ {124} / البقرة . وقوله تعالى: { وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ {113} / هود . قال علي ابن إبراهيم القمي في ذيل الآية : ( ركون مودة ونصيحة وطاعة ) .

وقوله تعالى : { فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ {150} وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ {151} الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ {152} / الشعراء .

وقوله تعالى :{ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا {28} / الكهف .

وعن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال : ( وَ قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْوَالِي عَلَى الْفُرُوجِ وَ الدِّمَاءِ وَ الْمَغَانِمِ وَ الْأَحْكَامِ وَ إِمَامَةِ الْمُسْلِمِينَ الْبَخِيلُ فَتَكُونَ فِي أَمْوَالِهِمْ نَهْمَتُهُ وَ لَا الْجَاهِلُ فَيُضِلَّهُمْ بِجَهْلِهِ وَ لَا الْجَافِي فَيَقْطَعَهُمْ بِجَفَائِهِ وَ لَا الْحَائِفُ لِلدُّوَلِ فَيَتَّخِذَ قَوْماً دُونَ قَوْمٍ وَ لَا الْمُرْتَشِي فِي الْحُكْمِ فَيَذْهَبَ بِالْحُقُوقِ وَ يَقِفَ بِهَا دُونَ الْمَقَاطِعِ وَ لَا الْمُعَطِّلُ لِلسُّنَّةِ فَيُهْلِكَ الْأُمَّةَ ) [9]

وقال عليه السلام : ( وَ لَكِنَّنِي آسَى أَنْ يَلِيَ أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ سُفَهَاؤُهَا وَ فُجَّارُهَا فَيَتَّخِذُوا مَالَ اللَّهِ دُوَلًا وَ عِبَادَهُ خَوَلًا وَ الصَّالِحِينَ حَرْباً وَ الْفَاسِقِينَ حِزْباً )[10]

وقال عليه السلام : ( فلعمري ما الإمام إلا الحاكم بالكتاب القائم بالقسط الدائن بدين الحق الحابس نفسه على ذات الله )[11]

هذه الآيات و الروايات وغيرها تدل على وجوب التقوى لمن هو متحمل المسؤولية وهي تمثل العدالة والأمانة والوفاء بالعهد فعندما يكون سائساً للأمة يجب أن يتصف بالتقوى وإلا سوف تتحمل الأمة نتائج وسلبيات أعماله وخطئه وربما يؤدي بها إلى التخلف عن الركب الحضاري والسقوط في الهاوية بسبب عدم التقوى في المسؤول عنها . [12]

مواصفات المتقين في القرآن

قد اهتم القرآن الكريم بالتقوى والمتقين وصفاتهم اهتماماً كبيراً بل أكثرية الأحكام والأخلاق التي تحدث عنها القرآن لها ارتباط بالتقوى من قريب أو من بعيد .

قال تعالى: { ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ {2} الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ {3} والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ {4} أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ {5} / البقرة .

في بداية هذه السورة قسم القرآن الناس إلى ثلاثة أقسام :

1-المتقون : وهم الذين قبلوا الإسلام بكامله وفي جميع أبعاده .

2-الكافرون : وهم المقابلون للمتقين ، وقد أعلنوا عن عقائدهم ومواقفهم ويعترفون بكفرهم ، ويعلنون بعدائهم للمسلمين .

3- المنافقون : هم يعلنون الإسلام ويبطنون الكفر ، لهم شخصيتان : أمام المسلمين يعلنون الإسلام وأمام الكفار يعلنون الكفر .

4- الإيمان بالغيب :

الغيب والشهادة متقابلان فعالم الشهود هو عالم المحسوسات وعالم الغيب هو عالم ما وراء الحس قال تعالى : {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ {9} / الرعد .

المؤمنون خرقوا طوق العالم المادي ، واجتازوا جداره ، إنهم بهذه الرؤية الواسعة مرتبطون بعالم كبير لا متناه . بينما يصر معارضوهم على جعل الإنسان مثل سائر الحيوانات .

إن المتقين لديهم نظرة إلى الحياة والكون واسعة فيؤمنون بعالم الشهادة عالم المحسوسات والماديات كما يؤمنون بعالم الغيب وما وراء الطبيعة .

وفي مقابل ذلك أصحاب المادة : وهم الماديون الذين ينظرون إلى الكون والحياة نظرة مادية بحتة ولا يوجد خارج المادة شيء فينكرون كل شيء غير مادي ، وما دام الإنسان جزء من الكون فهو وما يتعلق به أيضاً مادياً .

إن كلاً من هاتين النظرتين للكون والحياة قد انعكست على أفكار وأخلاق صاحبها وأعطت نتائج سلبية أو إيجابية ، فالقائلون بعالم الغيب ظهر ذلك على سلوكهم ومعتقداتهم فانتشرت بينهم العدالة على مختلف أقسامها والرحمة والمودة في قلوبهم للآخرين وأن أمامهم مستقبل زاهر ، بينما أهل النظرية المادية انحصرت رؤيتهم في المادة والملذات والشهوات والغلبة للآخرين واستعبادهم وابتزاز ثرواتهم والانتقام منهم ولا يفكرون في حساب أو عقاب ما دامت الحياة تنتهي بانتهاء المادة وهي قصيرة الأمد .

والذي يؤسف له أن النظرة الثانية لها موطئ قدم عند بعض من يحمل اسم الإسلام فهو يدعو لها ويطبقها عملياً .

5- الارتباط بالله :

إن الارتباط بالله سبحانه من الأمور الواجبة عقلاً وشرعاً بل وتكويناً وأن الإنسان لا وجود له بدون هذا الارتباط التكويني نعم يحتاج مع هذا إلى ارتباط تشريعي ذلك قوله عز وجل { وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ } فإقامة الصلاة ارتباط بالله فهي معراج المؤمن وقربان كل تقي .

6- الارتباط بالناس :

الارتباط بالناس هو نوع ارتباط بالله لأن الخلق عيال الله كما ورد عَنِ السَّكُونِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله : ( الْخَلْقُ عِيَالُ اللَّهِ فَأَحَبُّ الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ مَنْ نَفَعَ عِيَالَ اللَّهِ وَ أَدْخَلَ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ سُرُوراً ) [13] فالله غني مطلق لا يحتاج إلى أحد والذي يحتاج هو البشر فنفع الناس من أبواب الارتباط بالله ومحبته لعبده كما ورد عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ عَمَّنْ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام يَقُولُ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله : ( مَنْ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ قَالَ أَنْفَعُ النَّاسِ لِلنَّاسِ )[14]

فمن أسباب المحبة بين الإنسان والله سبحانه هو نفع الناس وقضاء حوائجهم والعطف عليهم بل البركة التي تكون للعبد هو ما إذا كان نفاعاً للناس كما ورد عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ { وَ جَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ } قَالَ : ( نَفَّاعاً ) [15]

وقد تمثل هذا الارتباط للمتقين في قوله عز وجل :{ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ } وهذا الإنفاق عام وشامل لا يختص بالماديات والأموال بل يشمل المواهب المادية والمعنوية فالمتقون لا ينفقون أموالهم فحسب بل ينفقون من علمهم ومواهبهم العقلية وطاقاتهم الجسدية ومكانتهم الاجتماعية .

والارتباط بالناس هو نتيجة للارتباط بالله فعن الإمام الصادق ع ( إن معناه ومما علمناهم يبثون ) وهذا أيضاً مصداق من مصاديق الإنفاق ولا يختص بالعلم بل يشمل مجالات أخرى كثيرة في الحياة.

7- الإيمان بجميع الأنبياء :

المتقون عندهم نضرة شمولية وسعة في الأفق وحية في التعبير والإرادة والفكر فكما هم يؤمنون برسالة النبي الأعظم صلى الله عليه وآله كذلك يؤمنون ببقية الرسالات لكل الأنبياء الذين سبقوا رسول الله صلى الله عليه وآله لأن مبدأها واحد وهو التوحيد . قال تعالى : {والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ } .

5--الإيمان بيوم القيامة :

ويوم القيامة وإن كان من عالم الغيب إلا أن الإيمان به يعصم الإنسان من الذنوب والخطايا والظلم والعدوان حيث العقاب والثواب وهذا من صميم أعمال المتقين حيث وصلوا إلى مرحلة اليقين قال تعالى : {وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ } .

التقوى مع الإيمان:

قال السيد الطباطبائي : المتقون هم المؤمنون ، وليست التقوى من الأوصاف الخاصة لطبقة من طبقاتهم اعني : لمرتبة من مراتب الإيمان حتى تكون مقاما من مقاماته نظير الإحسان والإخبات والخلوص ، بل هي صفة مجامعة لجميع مراتب الإيمان إذا تلبس الإيمان بلباس التحقق ، والدليل على ذلك انه تعالى لا يخص بتوصيفه طائفة خاصة من طوائف المؤمنين على اختلاف طبقاتهم ودرجاتهم والذي أخذه تعالى من الأوصاف المعرفة للتقوى في هذه الآيات التسع عشرة التي يبين فيها حال المؤمنين والكفار والمنافقين ، خمس صفات ، وهي الإيمان بالغيب ، وإقامة الصلاة ، والإنفاق مما رزق الله سبحانه ، والإيمان بما انزله على أنبيائه ، والإيقان بالآخرة ، وقد وصفهم بأنهم على هدى من ربهم فدل ذلك على أن تلبسهم بهذه الصفات الكريمة بسبب تلبسهم بلباس الهداية من الله سبحانه ، فهم إنما صاروا متقين أولي هذه الصفات بهداية منه تعالى ، ثم وصف الكتاب بأنه هدى لهؤلاء المتقين بقوله تعالى : {ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} فعلمنا بذلك : أن الهداية غير الهداية ، وان هؤلاء وهم متقون محفوفون بهدايتين ، هداية أولى بها صاروا متقين ، وهداية ثانية أكرمهم الله سبحانه بها بعد التقوى وبذلك صحت المقابلة بين المتقين وبين الكفار والمنافقين .[16]

وصف المتقين على لسان إمامهم

طلب أحد أصحاب الإمام علي عليه السلام منه أن يصف له المتقين فقد كان يسمع عنهم الكثير من المدح والثناء ولكنه لا يعرف أوصافهم فتثاقل الإمام في تلبية طلبه لما يخشاه عليه من شدة الأثر ولكن هذا الشخص الذي يقال له ( همّام ) أقسم على الإمام أن يستجيب لطلبه وأن يحقق أمنيته فقال عليه السلام كما جاء في نهج البلاغة :

( فَالْمُتَّقُونَ فِيهَا هُمْ أَهْلُ الْفَضَائِلِ مَنْطِقُهُمُ الصَّوَابُ وَ مَلْبَسُهُمُ الِاقْتِصَادُ وَ مَشْيُهُمُ التَّوَاضُعُ غَضُّوا أَبْصَارَهُمْ عَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَ وَقَفُوا أَسْمَاعَهُمْ عَلَى الْعِلْمِ النَّافِعِ لَهُمْ .

نُزِّلَتْ أَنْفُسُهُمْ مِنْهُمْ فِي الْبَلَاءِ كَالَّتِي نُزِّلَتْ فِي الرَّخَاءِ وَ لَوْ لَا الْأَجَلُ الَّذِي كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ لَمْ تَسْتَقِرَّ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ طَرْفَةَ عَيْنٍ شَوْقاً إِلَى الثَّوَابِ وَ خَوْفاً مِنَ الْعِقَابِ .

عَظُمَ الْخَالِقُ فِي أَنْفُسِهِمْ فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ فَهُمْ وَ الْجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا فَهُمْ فِيهَا مُنَعَّمُونَ وَ هُمْ وَ النَّارُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا فَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ .

قُلُوبُهُمْ مَحْزُونَةٌ وَ شُرُورُهُمْ مَأْمُونَةٌ وَ أَجْسَادُهُمْ نَحِيفَةٌ وَ حَاجَاتُهُمْ خَفِيفَةٌ وَ أَنْفُسُهُمْ عَفِيفَةٌ صَبَرُوا أَيَّاماً قَصِيرَةً أَعْقَبَتْهُمْ رَاحَةً طَوِيلَةً تِجَارَةٌ مُرْبِحَةٌ يَسَّرَهَا لَهُمْ رَبُّهُمْ أَرَادَتْهُمُ الدُّنْيَا فَلَمْ يُرِيدُوهَا وَ أَسَرَتْهُمْ فَفَدَوْا أَنْفُسَهُمْ مِنْهَا .

أَمَّا اللَّيْلَ فَصَافُّونَ أَقْدَامَهُمْ تَالِينَ لِأَجْزَاءِ الْقُرْآنِ يُرَتِّلُونَهَا تَرْتِيلًا يُحَزِّنُونَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ وَ يَسْتَثِيرُونَ بِهِ دَوَاءَ دَائِهِمْ فَإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَشْوِيقٌ رَكَنُوا إِلَيْهَا طَمَعاً وَ تَطَلَّعَتْ نُفُوسُهُمْ إِلَيْهَا شَوْقاً وَ ظَنُّوا أَنَّهَا نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ وَ إِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَخْوِيفٌ أَصْغَوْا إِلَيْهَا مَسَامِعَ قُلُوبِهِمْ وَ ظَنُّوا أَنَّ زَفِيرَ جَهَنَّمَ وَ شَهِيقَهَا فِي أُصُولِ آذَانِهِمْ فَهُمْ حَانُونَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ مُفْتَرِشُونَ لِجِبَاهِهِمْ وَ أَكُفِّهِمْ وَ رُكَبِهِمْ وَ أَطْرَافِ أَقْدَامِهِمْ يَطْلُبُونَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي فَكَاكِ رِقَابِهِمْ .

وَ أَمَّا النَّهَارَ فَحُلَمَاءُ عُلَمَاءُ أَبْرَارٌ أَتْقِيَاءُ قَدْ بَرَاهُمُ الْخَوْفُ بَرْيَ الْقِدَاحِ يَنْظُرُ إِلَيْهِمُ النَّاظِرُ فَيَحْسَبُهُمْ مَرْضَى وَ مَا بِالْقَوْمِ مِنْ مَرَضٍ وَ يَقُولُ لَقَدْ خُولِطُوا وَ لَقَدْ خَالَطَهُمْ أَمْرٌ عَظِيمٌ لَا يَرْضَوْنَ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الْقَلِيلَ وَ لَا يَسْتَكْثِرُونَ الْكَثِيرَ فَهُمْ لِأَنْفُسِهِمْ مُتَّهِمُونَ وَ مِنْ أَعْمَالِهِمْ مُشْفِقُونَ .

إِذَا زُكِّيَ أَحَدٌ مِنْهُمْ خَافَ مِمَّا يُقَالُ لَهُ فَيَقُولُ أَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْ غَيْرِي وَ رَبِّي أَعْلَمُ بِي مِنِّي بِنَفْسِي اللَّهُمَّ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا يَقُولُونَ وَ اجْعَلْنِي أَفْضَلَ مِمَّا يَظُنُّونَ وَ اغْفِرْ لِي مَا لَا يَعْلَمُونَ .

فَمِنْ عَلَامَةِ أَحَدِهِمْ أَنَّكَ تَرَى لَهُ قُوَّةً فِي دِينٍ وَ حَزْماً فِي لِينٍ وَ إِيمَاناً فِي يَقِينٍ وَ حِرْصاً فِي عِلْمٍ وَ عِلْماً فِي حِلْمٍ وَ قَصْداً فِي غِنًى وَ خُشُوعاً فِي عِبَادَةٍ وَ تَجَمُّلًا فِي فَاقَةٍ وَ صَبْراً فِي شِدَّةٍ وَ طَلَباً فِي حَلَالٍ وَ نَشَاطاً فِي هُدًى وَ تَحَرُّجاً عَنْ طَمَعٍ يَعْمَلُ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ وَ هُوَ عَلَى وَجَلٍ يُمْسِي وَ هَمُّهُ الشُّكْرُ وَ يُصْبِحُ وَ هَمُّهُ الذِّكْرُ يَبِيتُ حَذِراً وَ يُصْبِحُ فَرِحاً حَذِراً لِمَا حُذِّرَ مِنَ الْغَفْلَةِ وَ فَرِحاً بِمَا أَصَابَ مِنَ الْفَضْلِ وَ الرَّحْمَةِ إِنِ اسْتَصْعَبَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فِيمَا تَكْرَهُ لَمْ يُعْطِهَا سُؤْلَهَا فِيمَا تُحِبُّ قُرَّةُ عَيْنِهِ فِيمَا لَا يَزُولُ وَ زَهَادَتُهُ فِيمَا لَا يَبْقَى يَمْزُجُ الْحِلْمَ بِالْعِلْمِ وَ الْقَوْلَ بِالْعَمَلِ تَرَاهُ قَرِيباً أَمَلُهُ قَلِيلًا زَلَلُهُ خَاشِعاً قَلْبُهُ قَانِعَةً نَفْسُهُ مَنْزُوراً أَكْلُهُ سَهْلًا أَمْرُهُ حَرِيزاً دِينُهُ مَيِّتَةً شَهْوَتُهُ مَكْظُوماً غَيْظُهُ .

الْخَيْرُ مِنْهُ مَأْمُولٌ وَ الشَّرُّ مِنْهُ مَأْمُونٌ إِنْ كَانَ فِي الْغَافِلِينَ كُتِبَ فِي الذَّاكِرِينَ وَ إِنْ كَانَ فِي الذَّاكِرِينَ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ .

يَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَهُ وَ يُعْطِي مَنْ حَرَمَهُ وَ يَصِلُ مَنْ قَطَعَهُ بَعِيداً فُحْشُهُ لَيِّناً قَوْلُهُ غَائِباً مُنْكَرُهُ حَاضِراً مَعْرُوفُهُ مُقْبِلًا خَيْرُهُ مُدْبِراً شَرُّهُ فِي الزَّلَازِلِ وَقُورٌ وَ فِي الْمَكَارِهِ صَبُورٌ وَ فِي الرَّخَاءِ شَكُورٌ .

لَا يَحِيفُ عَلَى مَنْ يُبْغِضُ وَ لَا يَأْثَمُ فِيمَنْ يُحِبُّ يَعْتَرِفُ بِالْحَقِّ قَبْلَ أَنْ يُشْهَدَ عَلَيْهِ لَا يُضِيعُ مَا اسْتُحْفِظَ وَ لَا يَنْسَى مَا ذُكِّرَ وَ لَا يُنَابِزُ بِالْأَلْقَابِ وَ لَا يُضَارُّ بِالْجَارِ وَ لَا يَشْمَتُ بِالْمَصَائِبِ وَ لَا يَدْخُلُ فِي الْبَاطِلِ وَ لَا يَخْرُجُ مِنَ الْحَقِّ إِنْ صَمَتَ لَمْ يَغُمَّهُ صَمْتُهُ وَ إِنْ ضَحِكَ لَمْ يَعْلُ صَوْتُهُ وَ إِنْ بُغِيَ عَلَيْهِ صَبَرَ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي يَنْتَقِمُ لَهُ نَفْسُهُ مِنْهُ فِي عَنَاءٍ وَ النَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ أَتْعَبَ نَفْسَهُ لِآخِرَتِهِ وَ أَرَاحَ النَّاسَ مِنْ نَفْسِهِ بُعْدُهُ عَمَّنْ تَبَاعَدَ عَنْهُ زُهْدٌ وَ نَزَاهَةٌ وَ دُنُوُّهُ مِمَّنْ دَنَا مِنْهُ لِينٌ وَ رَحْمَةٌ لَيْسَ تَبَاعُدُهُ بِكِبْرٍ وَ عَظَمَةٍ وَ لَا دُنُوُّهُ بِمَكْرٍ وَ خَدِيعَةٍ )[17]

ولما أتم الإمام خطبته سقط همام وقد فارقت روحه الحياة من شدة التأثر.

نقلنا هذه الخطبة مع طولها لأنها جامعة شاملة في وصف المتقين
______________________________________


[1] البحار ج 67 ص 286

[2] غررالحكم ص : 273ح5985

[3] غررالحكم ص : 273 ح5986

[4] البحار ج 67 ص 285

[5] غرر الحكم ص : 274ح5997

[6] غرر الحكم ص : 274ح5998

[7] غرر الحكم ص : 274ح5992

[8] تنبيه الخواطر ج 2 ص 120

[9] نهج‏ البلاغة ص : 189

[10] نهج ‏البلاغة ص : 452

[11] الإرشاد ج : 2 ص : 39

[12] انظر الروايات حول اشتراط العدالة في الوالي كتاب : دراسات في ولاية الفقيه ج 1 ص 290- 300 .

[13] وسائل ‏الشيعة ج : 16 ص : 341 ح21712

[14] وسائل ‏الشيعة ج : 16 ص : 342 ح21713

[15] وسائل ‏الشيعة ج : 16 ص : 342 ح21714

[16] تفسير الميزان - السيد الطباطبائي ج 1 ص 43

[17] نهج ‏البلاغة ص : 304- 306


منقوول

نسألكم الدعاء

محمد آل يعقوب
06-11-2003, 15:13
بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

( الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله الطيبين الطاهرين)

;) تحية قلبية بأسم الانتماء إلى عُشق أهل البيت عليهم السلام للاخ الفاضل (" محب أهل البيت") ;)

من أهداف الصيام التقوى

إن الصوم منهج تربوي للأمة فمن أهم الأهداف الرئيسية لتشريع الصيام ووجوبه هو حصول التقوى لدى الصائمين كنتيجة لتطبيق الصيام ولأهمية التقوى بل ضرورتها فلا بد أن يكون أسبابها أيضاً واجبة. وحصول التقوى من الصيام دليل على قبول الصيام وأنه وقع في موقعه وأدى هدفه ودوره الذي رسمه الله له ..


تحقق العبادات غايات كلية ومقاصد عامة ، وقد تتميز عبادة عن أخرى في حكمتها ، إلا أن ما تشترك فيه العبادات جميعاًَ وتسعى اتحقيقها هي :

:grenman:(" قيمة التقوى والخوف من الله "):grenman:

وذلك بالتسليم المطلق والخضوع الخاشغ لأوامر الله سبحنه وتعالى ونواهييه ، والتذلل للخالق ، والسير على طريق الاستقامة والألتزام بالدين ..

ولا تقتصر التقوى على مجال دون آخر ، فهي مطلوبة على كل حال ، فليست التقوى مجالها العبادات فقط ؟؟
بل إن التقوى الأجتماعية هي الاخرى لا تنفك عن حالة الخضوع والخشوع لأوامر الخالق عز وجل كما في جميع المعاملات مع الآخرين بيعاً وشراء ، ومعاشرة ، وبعداً عن الغيبة والنميمة ، وسوء الظن ، والنظر الحرام وما أشبه ..

إن ما يفترض أن يحقق صوم شهر رمضان في نفس المؤمن هو :

:grenman:(" الخوف من الله سبحانه وتعالى في كل الأحوال ") :grenman:

:STU.DNT):فالتقوى هي غاية الغايات ومقصد المقاصد في جميع العبادات ..

قال تعالى :

(" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ") آية(183) سورة البقرة .

و قد سأل مولنا أمير المؤمنين" عليه السلام" نبينا الأكرم" صلى الله عليه وآله وسلم " بعد الانتهاء من خطبة المغروفة قبل شهر رمضان بقوله :

(" يا رسول الله ما أفضل الأعمال في هذا الشهر ") ؟؟

فقال الرسول الأكرم :

(" يا أبا الحسن أفضل الأعمال في هذا الشهر الورع من محارم الله ")


( اللهم أجعل التقوى غاية مقاصدنا يالله )


ونلتمس منكم خالص الدعاء والتوفيق ..

;) أخوكم المُخلص ..

عاشق أهل اليت عليهم السلام ..

محمد أبو حيدرا ..